همسات لاُولي النُهى

الجمعة,أيار 16, 2008


قال تعالى ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون

 saleh

 

 

 

 مر عام على رحيلك أيها الحبيب الغالي، على رحيل الأب الحنون والصديق المخلص, أب الكرم والعطاء. أب الشهامة والأمانة، أب الصدق والوفاء،  بمرارة وأسى، فارقتنا تاركاً فراغاً لا يملؤه أحد وحزناً في القلوب لا تمحوه الأيام،  سنة فقدنا فيها طعم كل شيء جميل،  ظلمنا الزمن فيك فلا الصبر سيمكننا من النسيان ولا الشهور ولا السنين ستقنعنا برحيلك ولا الأفراح قادرة على مسح الدموع .

فطيفك في كل مكان يلاحقنا، قلوبنا تنزف على فراقك ولكن عزاؤنا فيك أنك رحلت إلى دار الخلد إلى الجنة، رحلت جسدا لكن روحك , حركاتك، كلماتك، كلها في أذهاننا باقية .

 

بم نبدأ ذكرى مرور عام على رحيلك ، لا ندري ما نقوله سوى أن يوم السادس عشر من شهر مايو هو يوم محفور في الذاكرة , يوم سيظل يذكرنا بفجيعتنا فيك ,يوم فارقتنا دون سابق إنذار .

بم أبدا يا أبو احمد وأنت في غيابك قد أيقظت حواسنا النائمة ... وأنعشت حماسنا الممطر ضجرا .. هانحن نوقف الحداد بعد مرور عام من موتك ولكننا سنظل نمتلك ذكرى حزينة وأليمة كل عام .إلى أن نلقاك .

عزائي الدائم فيك أبنائك فهم ناقوس ذكرى يومية ترسل كل صباح ومساء  حنين ندى صباحي وحزن كل مساء  من أرواحهم المحلقة في دارك يحييها فيك المعتز بالله  رغم صغر سنه ما كل ولا مل كتابة مفكرته اليومية كل مساء محاولا أن يصيغ شعره فيك وخواطره التي يقتبسها من سلوكك في كليمات بدأها في أول سطر له قائلا كان أبي وحنيني لأبي واحتاجك يا والدي

لسان حال أبناءك يقول : رحلت أبي ونحن في أمس الحاجة إليك إلى كلماتك، نصائحك، معانيك، عبرتك.... رحلت أبي تاركا قلوبنا دامية وعيوننا دامعة.

أبي العزيز هذه الكلمة التي حرمنا منها  وتشتعل وتشتاق قلوبنا لسماعها، أجوائنا باردة بعدك ومرارة بعدك قاتلة .

أبي العزيز ما أثقل وأمر المناسبات والأعياد بدونك وما أمر اليتم بعدك خاصة وأنك لم تكن أبا كالآباء، كنت الأب الحنون، الصديق الرفيق الحبيب .

لقد كنت أيها الحبيب الراحل  وراءنا كالسد المنيع ولكن القدر شاء دون أن نفرحك وأن نعطيك ولو القليل مما أعطيتنا ، فيما بقيت روحك معنا ، فأنت في جسد كل منا كائن موجود لم تمت أبدا .

وكان حبنا لك قد امتزج بأرواحنا كزلزال مزج أرواحنا بروحك رغم موتك وفراقك لنا ورغم ما حرمتنا الحياة منك أنت باق في أرواحنا .

إن فراقك هو حزن خالد مصلوب داخل أجسادنا ، ولم تبقي الحياة لنا سوى الحزن والدموع والألم .

ومع ذكراك ورحيلك المبكر عنا إلا إننا في مثل هذا اليوم  لا نستطيع أن نعبر عما كنت إلا بما أنت به موجود في واقعنا ومعنا , فقد  كنت إنساناً بكل ما تعنيه الإنسانية من معان .. محباً خلوقاً  مع أعدائك قبل أصدقائك , كانت روحك تسمو عن  الضغائن فلم نعهدك حاقدا  بل للتسامح والعفو كانت روحك ,فعلمتنا كيف نختلف ونحترم آراء بعضنا البعض.. علمتنا أن الحب يكمن في الصدر , والصدر يحمل قلبا , يضيئه الحب الصادق ، وأن الرأي نابع من فكر ,والفكر مكمنه العقل ووجوده في الرأس ، فلندع صدرونا مغمورة بالحب والأمان .لنتعايش معا وندع فكرنا يختلف فله رؤؤس تسعه .

علمتنا كيف نحب حتى الأعداء كيف نعطي دون مقابل ,كيف نحب بإخلاص ,ونعمل لمبادئ ووطن , كيف نسمو بأرواحنا محلقين في سماء الكون نبحث عن مرضات الله دون مرضاة البشر  ,ودون الركون على احد سوى الله وحده .

لقد علمتنا حب التعلم والبحث والإباء في اشد حالات الكآبة والضجر كنت تركن إلى حجرتك ,تقلب صفحات كتبك تلتهم العلم وبهدوئك المعهود تجلس مع أبنائك تلقنهم درس النحو واللغة والتجويد والتلاوة  ولا تنسى أن تدعوا أمهم بالحضور ، وتناديها أي معلمتنا جودي بإجابة  عن صغير تعثر في إجابته لك وتطربها بقولك ها هي ذي معلمتكم وتنسى انك معلمها الأول وما نسيت أن تطربهم شعرا عندما يملوا دروسك ,

فماذا نقول وأنت الذي جلست مع طلابك وتلاميذ بعمر أولادك تتزود من العلم ضاربا عرض الزمن  كل أوجاعك السياسية والعملية .

 لم تعرف للتوقف والملل زمن ’بل كنت تسابقه بفكرك ورؤاك وسلوكك وآرائك وكلماتك , فكأنك طير محلق في الفضاء يمكث بين أوراق الزمن يتنقل بصمود وهمة ومسئولية وطموح لا نظير له  يجمع من كل ورقة شذى عطرها ومن كل علم فحواة , فلم تعرف حقائب سفرك أن تستريح ويتراكم حولها الغبار إلا بعد وفاتك , ولم تعرف أوراقك صفحات مفكراتك  ضما مدادك وظلمة نور كلماتك إلا بعد رحيلك ,وها انأ ذا حبيبتك وتلميذتك وأم المعتز أحاول أن أقرأ ما خطت بنانك وما رسمت سيرتك وما تعطرت به أجوائك وما تركت من فلذات أكباد هم بعض من روحك الطاهرة.

أحاول أن استرجع الزمن بكل يوم يمر بي يذكرني بعبقك وريحانك وسمو خلقك وخلقك ,ولا استطيع هنا أن اكتب كل ما ذكرته في مذكراتك إنما أسال الله أن يعينني على جمعها في كتيب هو لك وانقل هنا بداية كلمة كتبتها في مفكراتك تقول فيها سلام على معلمي وأستاذي (سيف اسعد عبد الوهاب ) وسطرت كلمات شجون عنه كمعلم أنار لك الطريق, ووقاك الانحراف الفكري ووجهك لحب العلم والتلقي والبحث وشجعك بكلماته طفلا .فشفاه الله وعافاه أقولها أنا من هنا .

ولم تنسى صديق شبابك وما أسميته بأخوك ( إسماعيل غانم ) الذي جمعت معه قريشات كما دونتها بقصيدة حكت معاناتك ومعانات الكثير من الأطفال والشباب الباحثين عن العلم دونما ظهر أو مال يملكانه فقلت  ربع نص صبحيه   تكفي تكفي الأذية    ربع نص من بدري ريال ونص ظهرية إلا أن حكت كلماتك كيف كان الشاب يجاهد رغم قلة ما بيده  طالبا العلم مستقيما ، هكذا بدأت مشوارك العلمي وكان قدرك أن تستشهد لتمت وأنت لازلت طالبا تتعلم  باحثا عن المزيد .

فما عسانا أن نفعل .. سوى أن نقول لك..

نم مطمئنا فسنعيش على ذكراك وتأكد أنك تركت عملك وسلوكك ودماثة خلقك وعلمك وكتاباتك ومواقفك  تخلد اسمك في التاريخ وسنسير على خطاك بثبات وشموخ كما كنت شامخا.

 وإننا في هذه الذكرى الأولى لا يسعنا إلا أن نرفع أيدينا إلى العلي القدير سائلين اللّه أن يتغمّدك بواسع رحمته وغفرانه وأن يجعل قبرك روضا من رياض الجنة.